صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
287
تفسير القرآن الكريم
الجود والخير من غير استعداد وتركيب - وهي التي تسمى « بعالم الأمر » لوجودها عنه تعالى بمجرد أمره ، من غير توسط وجود قابل ، واستدعاء افتقار ثابت وتضرع بلسان استعداد لوجودها ، وصدورها عنه تعالى على هذا الوجه ، وهي عقول مفارقة هي « الملائكة المقربون » وعالمها « عالم القضاء » . ثم نفوس مجردة هي « الملائكة المدبّرون » وعالمها « عالم التقدير والتدبير » ثم أجرام سماوية وعالمها « عالم الأعمال والحركات » التي تنشأ منها العناصر الأربعة بتوسط هيولاها المشتركة ، وهي نهاية تدبير الأمر المشار إليه في قوله تعالى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ . [ 32 / 5 ] وأما الموجودات الفائضة عنه بتوسط المواد والقوابل والاستعداد فهي المركبات على هذا الوجه : المعادن ، ثم النبات ، ثم الحيوان ثم أول درجة الإنسان وهو الذي في أوائل العقول ، ثم مرتبة أهل الايمان ثم مرتبة العلماء ثم الأولياء والأنبياء . وعند الوصول إلى رتبة الأولياء والأنبياء وقع الوصول إلى الحق ، فرجع سلسلة الموجودات في الصعود إلى الحق ثانيا عند ارتفاعها عن درجة النقصان والخسّة إلى حيث نزلت منه تعالى أولا ، فهو تعالى مبدأ الأشياء وغايتها ، وهو الأول والآخر . وإذا تمهد هذا : فقوله : لقد أرسلنا - إشارة إلى عالم الملكوت المتوسطة بينه وبين الخلق ، وهو مشتمل على الملائكة والأنبياء ، ولا يتم النبوة إلا بالملك النفساني الذي يخبر بالحوادث الآتية والماضية ، ولا ينصلح اخباره للرسول إلا بعد استعلامه من الملك العقلاني المتوسط بينه وبين اللّه ، الذي يستفاد منه حقائق الاعتقادات الكلية ، فكما إن الأنبياء يصلحون اعتقادات الخلائق ، فكذلك الملائكة يصلحون بعضهم بعضا إلى أن ينتهى إلى حضرة الربوبية التي هي ينبوع كل قوام ، ومطلع كل حسن ونظام .